إن أي جدل ينطلق من مفاهيم بالية تمت استعادتها من اصطبل الآراء المحنطة والمتوارثة لا يمكن ان يكون ابنا شرعيا لساحة النقاش الحقيقية، لماذا؟ لأنه مقيد بقيود ثقافة الرجعية السوداء التي لا ترى الحقيقة الا فيما تراه وتقوله حتى وان كانت هذه القناعات معطلة للحياة، وهذا هو الفارق الواضح والبين بين دعاة التقوقع ودعاة الانفتاح ففي الوقت الذي نجد فيه الباحث فهمي هويدي يعرف كيف يناقش نرى الآخرين كيف يرتدون إلى الثقافة المرقعة... وعن واحدة من أعتى القضايا التي لاتزال تشغل حيزا واسعا من الجدل والجدل المضاد تلك المتعلقة بمفهومي الشورى والديمقراطية. واقامت جمعية الوسط العربي الاسلامي الديمقراطي ندوة عن مشروع الشورى الذي قدمه هويدي حاضر فيها نائب رئيس الجمعية الباحث حمد العثمان من خلال قراءة مضامين ما انبنت عليه ورقة هويدي...

وبعيدا عن الاطالة نترك لكم هذه المساحة من القراءة والنقاش عن القضية.

نحو مشروع حضاري نهضوي عربي

هذا الموضوع الذي نحن بصدده اليوم قدم ورقة ضمن ملف كامل تحت عنوان «نحو مشروع حضاري نهضوي عربي» أعده ونظمه مركز دراسات الوحدة العربية في صورة ندوة أقيمت بمدينة فاس المغربية العام 2001 واشتمل هذا الملف على مجموعة من الأوراق وقد شارك فيها 100 من المفكرين والباحثين العرب ممن يمثلون مدارس فكرية وسياسية متعددة، وفي الورقة التي قدمها فهمي هويدي ضمنها كثيرا من الافكار التي استمدها من كتابه «الاسلام والديمقراطية» الذي عرض في الاسواق قبل عشر سنوات ولقد اخترنا هذا الموضوع « موضوع الديمقراطية» باعتباره قضية ساخنة في الوطن العربي ولذلك فقد اختزلت قراءة ما طرحه فهمي هويدي في اربعة محاور رئيسية فقط من دون خدش في العناوين أو مساس بالمضمون انطلاقا من الاسئلة الآتية: ما هي الديمقراطية؟ وهل الشورى ملزمة أو معلمة؟ وما الواقع العربي والاسلامي والنظام الديمقراطي؟ وقيم الديمقراطية؟

يرى هويدي أن الديمقراطية آلية في ادارة المجتمعات وفي الادارة السياسية تصاحبها مجموعة من القيم لعل من أهمها «الحرية - المساواة - الدفاع عن كرامة الانسان - التعددية الفكرية والسياسية - احترام الآخر - تداول السلطة - حق الناس في صوغ حاضرهم ومستقبلهم وحقهم في مساءلة الحكام ومفهوم الحرية».

ومفهوم الحرية كما يراه هويدي يمكن ان يكون مطلقا ويصل إلى حد التفلت الاخلاقي والدعوة إلى الالحاد كما في المجتمعات الغربية ويمكن ان يكون نسبيا ومحكوما بقيم اخلاقية «في المجتمع الاسلامي» واما الديمقراطية فهي كما يراها ليست عقيدة «بمعنى أنها ليست منظورا فكريا وفلسفيا ورؤية شاملة للكون والحياة وليس هناك ربط قيمي بين الديمقراطية والعلمانية من ناحية أصل المصطلح الاغريقي ومن ناحية أخرى ليس كل علماني بالضرورة ديمقراطي فمثلا (هتلر وروبسير وستالين وموسوليني) وغيرهم كانوا علمانيين ولم يكونوا ديمقراطيين وايضا ليس كل ديمقرطي علماني فالرئيس الايراني خاتمي والشيخان الغزالي والقرضاوي وحركة النهضة في تونس بزعامة راشد الغنوشي وغيرهم الكثير من الحركات الاسلامية والباحثين الاسلاميين من دعاة الديمقراطية أبعد ما يكونون عن العلمانية، وان الربط بين الاثنين في رؤية هويدي يؤدي إلى نفور الناشطين الاسلاميين الذي يرفعون ألوية الديمقرطية ويمثل تحديا للمجتمعات الاسلامية التي تجد ان التطبيق العلماني يهمش دور الدين ومن ثم ستجد نفسها مدفوعة دفعا لترجيح كفة الوفاق لدينها والتخلي عن الديمقراطية وهنا يدعو هويدي العقلاء والراشدين من دعاة الديمقراطية إلى فك الارتباط المفتعل بينهما كما يدعو للعيش في ظل الاسلام وفي ظل الديمقراطية في الوقت ذاته.

لا تعارض بين الشورى والديمقراطية

ويرى الشورى بوصفها جزءا من منظومة فكرية تعلن حضور الانسان ومسئوليته عن التغيير ومن ثم ضرورة مشاركته في صناعة حاضره ومستقبله هذا الانسان لم يكن ممكنا اقصاؤه عن عملية صنع القرار في مجتمعه ولا عن عملية الرقابة في ذلك المجتمع لذلك فاننا لا نجد فرقا في المفهوم بين الديمقراطية والشورى ولا نكاد نرى تعارضا بينهما خصوصا واننا نتحدث هنا عن ممارسة الديمقراطية الاسلامية التي لا نرى بديلا عنها نظاما لمجتمعاتنا العربية والاسلامية وذلك في اطار الضوابط والحدود التي رسمتها الشريعة الاسلامية بعمقها الاخلاقي الذي لا تمسه جوهر المشاركة السياسية واما عن الناحية الاجرائية فإننا لا نجد فرقا بين الصيغتين فكلاهما «أهل الشورى + أهل الديمقراطية» ينتخبهم الناس ولكن الفرق في المدى الذي يذهب اليه كلاهما.

ان الشورى أوسع نظاما من الديمقراطية وهي اعلى مراحل الديمقراطية، فالشورى تعني ان يكون لك قول ورأي بينما الديمقراطية فهي تعني ان يكون لك صوت... وفي ظل الشورى ينبغي ان تكون لك كلمة في كل ما يجري في البلد ومصالحه اما الديمقراطية فأنت تدلي بصوتك لصالح مترشح معين كل اربع أو خمس سنوات ثم ينوب ذلك المترشح عنك طوال الدورة البرلمانية لا تكون لك علاقة بتقرير شيء في الشأن العام. واحسب ان النظام المطبق في سويسرا الآن اقرب إلى الشورى إذ يستفتي الناس عدة مرات في العام في مختلف الشئون التي تهمهم.

إن الاختلاف بين الشورى والديمقراطية ينحصر في الدرجة وليس في النوع وان الديمقراطية مرحلة ينبغي ان ننجزها وننجح فيها لكي نحقق مرادنا من تطبيق الشورى فهي الباب الوحيد للوصول إلى الشورى.

والسؤال: ما الموقف «الاسلامي» من القيم الاساسية التي يستصحبها تنزيل الديمقراطية على الواقع الاسلامي ونقصد بالقيم: الحرية، حقوق الانسان، حقوق الاقليات، التعددية وتداول السلطة وغير ذلك؟ وللاجابة على السؤال يجب ان نفرق بين ثلاثة أمور، هي: الدين، الفقه، التاريخ... أما الدين فهو: يعني قوامة النص الشرعي الثابت في القرآن والسنة وهو ملزم لا ريب فيه وحجة على الجميع.

أما الفقه: فهو اجتهاد أهل العلم في كل زمان في مستحدثات ونوازل زمانهم وهو مقرر لا ريب لكن يؤخذ منه ويرد طبعا لالتزامه بالدين ومقاصده وهو بالضرورة ليس حجة لنا أو علينا.

والتاريخ: هو ممارسات البشر من حكام ومحكومين وهو ليس حجة في اي باب وهو الى العبرة أقرب.

وحين نقول إن هذا هو موقف الاسلام إزاء قضية بذاتها فإننا نعني مباشرة ان هذا ما نفهمه من النصوص المرجعية التي اشرنا إليها «القرآن والسنة» وهي النصوص التي يحتكم اليها في تقييم الفقه والتاريخ ولا تحاكم بأي منهما... والتأصيل يعطي للالتزام بتلك القيم بعدا عقيديا يعزز من موقف الداعية اليها ويرتقي بمستوى الالتزام بحيث يجعل تلك الممارسة واجبا يتعين الوفاء به ويتقرب المؤمنون إلى الله بذلك كما ان تأصيل ذلك البعد العقيدي يشكل كابحا يمكن استثماره في حماية المجتمع من عسف الحكام.

الديمقراطية المؤمنة

ما هو الواقع العربي والاسلامي؟ وما النظام الديمقراطي؟ ان الواقع الذي ندعو إلى تنزيل الديمقراطية عليه له عدة خصائص أهمها أنه يؤمن بالله سبحانه وتعالى ايمانا مطلقا وبعقيدة لها رؤيتها الخاصة في النظر إلى الكون والحياة وكل الكائنات الحية وفي مقدمتها الانسان لها حقوق واجبة الرعاية وان المرجعية الاولى لهذه المجتمعات تتمثل في القرآن والسنة وان حركة المجتمع محكومة بمجموعة من القيم التي حددتها هذه المرجعية منها القطعي «العبادات والمواريث» ومنها الظني «المعاملات».

إن الناس في هذا المجتمع لم يخلقوا عبثا وانما خلقوا لكي ينهضوا برسالة الاعمار والنماء واشاعة الخير والفضيلة وان يستمتعوا بما أحله الله لهم...

والسياسة عند المسلمين ليست من الحكمة كما هي في الخطاب الغربي ولكنها طريق يؤدي للتهذيب والاصلاح فهي عند ابن القيم «جلب المصلحة ودرء المفسدة» وعند ابن عقيل «لا سياسة الا ما نطق به الشرع» وهذا غلط وتغليط للصحابة السياسية التي ترى فيها فعلا يكون الناس فيه اقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد «ولو لم يفعله الرسول ولم يرد فيه نص قرآني» اذن لم تكن السياسة هي الدولة والسلطة كما هو شائع في الخطاب المعاصر وانما كانت فعلا اجتماعيا يشمل التهذيب والتربية والاصلاح ولهذا عرفت ثقافة المسلمين كتبا مثل سياسة الموردين وسياسة الصبيان وسياسة الخيل.

وبالنسبة إلى النظام الديمقراطي فإن الشعب هو مصدر السلطات بمعنى ان من تولى الأمر يستند في شرعيته الى اختيار الجماهير بأية وسيلة يتم الاتفاق عليها والقيادة في الدولة الاسلامية تصبح بالاختيار عند السنة والشيعة، والامامة عند فقهاء المسلمين وفي بعض مراحل التاريخ المغربي كان يحرر العقد وتحدد فيه شرائط المسلمين والمهمات وعند ابن حزم انه اذا ظلم واستأثر الامام سلطة أو مالا فان الخروج عليه واجب والعقد المبرم ينفسخ تلقائيا كما ان مصدر السلطة هو الامة ومصدر القانون هو المرجعية لمقاصد «القرآن والسنة».

إن المرجعية من قرآن وسنة لم تحدد شكلا معينا لنظام الحاكم وانما انصب حرص تلك المرجعية على قيم نظام الحكم وليس على شكله فعلى رغم ان الخلافة صيغة مثلى حققت نموذجها في عهد الخلفاء الراشدين بوجه خاص الا أنها لا تعد صيغة ملزمة لا هي ولا غيرها ولذلك فإن كل نظام حكم يقيم العدل بين الناس ويلتزم بمقاصد الشريعة يعد حكما اسلاميا سواء كان جمهورية/ مملكة/ إمارة/ إمامة/ سلطنة أو غير ذلك.

لا وجود لصيغة إسلامية ملزمة للشورى


أما حجر الأساس في النظام السياسي فهو قاعدة الشورى، وليس في النصوص الاسلامية المحكمة نص يلزمنا بكيفية معينة للشورى ولا بعدد مخصوص لأهلها ولا بأوصاف لازمة فيهم ولا بألقاب معينة لهم ولا بزمان لولايتهم فكل ذلك وغيره متروك للاجتهاد الاسلامي ليضع من خلاله المؤهلون ما يرونه محققا لمصالح الناس. المهم ان يشترك الناس في تقرير ما يعنيهم.

إن بعض الفقهاء والباحثين يقولون ان الشورى مندوبة أو مستحبة وليست واجبة وللحاكم ان يستشير الناس أو لا يستشيرهم.

ويرد هويدي على اولئك الناس انطلاقا من الآيتين الوحيدتين اللتين وردتا في القرآن الكريم «والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وامرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون» الشورى/38 في هذه الآية المكية يجعل القرآن الشورى وضعا لازما للمؤمنين ويجريها مجرى الصلاة وانفاق الزكاة وما كان كذلك لا يتصور ان يكون مجرد أمر مندوب أو مستحب. والآية الثانية «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين» آل عمران/159 وهذه الآية المدنية نزلت عقب غزوة أحد التي خرج اليها الرسول «ص» نزولا على رأي الاكثرية من اصحابه المخالف لرأيه، وقد بينت حوادث تلك الغزوة ان رأي الرسول «ص» كان هو الأصوب والأصح وعلى رغم هزيمة المسلمين فقد أمر الله النبي ان يستغفر لاصحابه وان يشاورهم في الأمر ولم يحدد هذا الامر، وفي اي مجال تحديدا وانما تركه على عمومه واطلاقه لكل شئون المسلمين، والنص قاطع في ان الشورى مبدأ من مبادىء الاسلام الاساسية واذا كان القرآن الكريم قد فرضها على الرسول (ص) فإنه لا يجوز لحاكم مسلم بعده ان يتنصل من وجوبها. وان القول بعدم الزامها يتعارض مع جميع الوقائع التاريخية الثابته في السنة النبوية وفي سيرة الخلفاء الراشدين فليست هناك واقعة واحدة لم يلتزم بها الرسول (ص) او الخلفاء الراشدون بما انتهت اليه الشوى، اذا الشورى واجبة وليست مستحبة.

التعددية نتاج حرية الاعتقاد

تتمثل قيم الديمقراطية في الحرية، وتعد الحرية أهم قيم الحياة السياسية في المجتمع الاسلامي ويعتبرها كثيرون الوجه الآخر للتوحيد لأن التعبد لله وحده يحرر الفرد من عبوديته لأي انسان آخر مهما علا مقامه، ومن صور الحرية أمران: حرية الاعتقاد وحرية التعبير.

ولعل الواقع المشهود في العالم الاسلامي، اذ تتعايش كل الديانات السماوية وغير السماوية خير شاهد على موقف الاسلام من حرية الاعتقاد، وأما مسألة حق التعبير والرأي فاذا كانت حرية الرأي في القوانين الوضعية حقا مباحا فإنها في الرؤية الاسلامية واجب؛ فالامر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين على كل مسلم.

ولا يحكم حرية الرأي والتعبير الا اطار واحد لا يكون التعبير فيه طعنا في الدين أو خروجا عليه وان يقف عند الحدود التي لا تتعارض مع حدود المتدينين.

والتعددية هي نتاج طبيعي لحرية الاعتقاد، فالتعددية مقبولة حتى في اطار الدين الاسلامي ذاته الذي تعددت فيه المذاهب. واصوب من ذلك بكثير ان تقبل التعددية في مناهج الاصلاح السياسي في صورتها الحزبية الراهنة.

وتداول السلطة هو القبول بالتعددية الذي يؤدي تلقائيا الى القبول بتداول السلطة، وحيث انه لا اكراه في الدين فإنه لا اكراه في الدنيا ولكون الامة مصدر السلطة والشرعية فينغي ان يفسح المجال لها لكي تقرر من يتولى امرها حتى ولو لم يكن من اصحاب التوجه الاسلامي وتقول الآية الكريمة «فإن اعرضوا فما ارسلناك عليهم حفيظا ان عليك الا البلاغ» الشورى/48 فاذا كان ذلك هو شأن الاعراض عن الدين ذاته، فما بالك بالاعراض عن مجرد توجه سياسي في اطار الدين؟

وفي المساواة تقول الآية الكريمة «ولقد كرمنا بنى آدم» الاسراء/70 وبصرف النظر عن دينه ولونه وعرقه كل بني آدم، واذا كان هناك من تفاضل بين الناس فيقاس ذلك بمعيار «التقوى» وجزاء ذلك في الآخر، والمساواة مبدأ من مبادىء الاسلام واساس هذا المبدأ هو وحدة الاصل الانساني «يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى» الحجرات/13 ومبدأ المساواة الذي تقره الشريعة الاسلامية لا تنطبق في ظله أية استثناءات يتمتع بها الافراد سواء الحكام أو اعضاء المجالس النيابية والشورى في ظل التشريعات القانونية.

وفيما يتعلق بالاقليات غير المسلمة فانطلاقا من مبدأ المساومة فإن وضع هذه الاقليات يتحدد وفق ثلاث قواعد، هي:

حق الكرامة الذي يكفله الاسلام لكل انسان تأسيسا على آية أهل الكتاب بحكم ايمانهم بالله.

وقاعدة البر والقسط التي قررها القرآن لتكون اساسا للتعامل مع كل من ارتضى العيش في سلام مع المسلمين. وقاعدة العدل مع جميع الناس، والعدل ليس انصافا للآخرين فحسب ولكنه ايضا قربة الى الله يثاب عليه المرء يوم الحساب «بمعنى انه حتى الكفار الذين يبغضونكم كونوا معهم عادلين».

حق تولى غير المسلمين الوظائف العليا في الدولة الاسلامية:

كان فقهاء المسلمين السابقون شرطوا الاسلام في الامام ووزير التفويض، وظل الامر مثيرا للجدل واللغط من الناحية النظرية الا ان هويدي يرى ما رآه «طارق البشري» ومفاده يقول: لا نجد في خريطة توزيع السلطات اليوم رئيسا أو وزيرا يملك ما توافر للامام أو الوزير في الماضي من صلاحيات لأن سلطات هؤلاء قد توزعت على الكثير من الهيئات الدستورية تتقاسم العمل فيما بينها حتى يكتمل وتتبادل الرقابة فيما بينها على الاعمال.

العبرة في تقوية خلايا المجتمع

من الناحية العملية لم تعد سلطة التنفيذ مجتمعة في يد فرد واحد ولا باتت مرتبطة بتوافر العلم الفردي لموظف ما بالاحكام الشرعية وأمور الحرب وشئون الخراج وغير ذلك ولكنها اصبحت تتهيء بواسطة كثير من الاجهزة الفنية المتخصصة ولم يعد للفرد سلطة طليقة وانما سلطة مقيدة بأحكام الدستور والقوانين ويمر مشروع القرار السياسي والاداري عبر قنوات محددة ومختلفة من خلال هيئات متنوعة ومحددة سلفا بالنظم المرسومة.

ان الاخذ بالاساليب الديمقراطية في بناء الدولة وادارتها يحل جذريا قضية مشاركة غير المسلمين في الولايات العامة، على نحو يمكن من احلال المساواة بين الموظفين مسلمين وغير مسلمين وفقا لمبدأ توزيع السلطات وحلول الهيئات محل الافراد في اتخاذ القرارات.

ان العبرة في نجاح أية تجربة ليست باقامة الهياكل الديمقراطية من مجالس نيابية وأحزاب وغير ذلك فقد تابعنا في تجارب عربية كثيرة بوجه اخص وكيف اقيمت تلك الهياكل ولم تقم للديمقراطية قائمة وما ينبغي ان ينشغل به الجميع إلى جانب اهتمامهم باقامة الهياكل والمؤسسات الديمقراطية هو كيف يمكن تقوية خلايا المجتمع المدني بحيث يصبح بمقدورها ان تحول دون العبث بقيم الديمقراطية او بحيث يصبح العدول عن النهج الديمقراطي امرا باهظ الكلفة، وذلك هو التحدي الحقيقي الذي يضاعف من عبئه وجسامته قوة الدولة الحديثة وجبروتها بما توافر لها من أدوات وصلاحيات وهو الامر الذي يجعل من الشأن الديمقراطي موضوعا للنضال اليومي الذي لا يخلو من تضحية وثمن واجب الدفع وليس مجرد موضوع للحوار تحسمه النخبة في منتدياتها وبياناتها.

انتهت هنا القراءة في ورقة هويدي ومن خلال نظرة عامة على الورقة قال العثمان انني لا أملك سوى الاشادة بالمستوى الرائع الذي ظهرت به هذه الورقة من حيث البنية الفكرية ومن حيث العمق الاسلامي والحضاري ومن حيث شموليتها لمكونات الديمقراطية وبرأيي الخاص ان هذه الورقة المشروع تعد من انضج ما كتب في الشورى وهي بكل ما طرحته من مضامين ومفردات تمثل رؤية عربية اسلامية للديمقراطية وقد استطاعت هذه الورقة الشاملة بطرحها ان ترد على الاسلاميين المناهضين للديمقراطية وفي الوقت نفسه على العلمانيين الذين يرون ان الديمقراطية لا تتحقق إلا بتبني الفكر العلماني.

وعلق العثمان قائلا: ان المتتبع لكتابات هويدي سيلاحظ انه صاحب خط وسطي وهو الخط الذي ارتضته جمعية الوسط العربي الاسلامي الديمقراطي فهو في طرحه وسطي الطرح عروبي الهوى واسلامي الفكر وديمقراطي التوجه ولا احسبني قد خرجت عن الاصول الاجتماعية المتبعة حينما أقول ان هذه الورقة هدية غير مغلفة مزدانة بآيات الله الكريمات وبأحاديث رسوله المصطفى «ص» مقدمة من فهمي هويدي الى جمعية الوسط التي تتبنى الاسلام والديمقراطية في آن واحد ولكي نقدر الهدايا أوصي مجلس الادارة باعتمادها أحد المصادر الرئيسية لأي عمل مقبل يتصل بالديمقراطية سواء كان ذا طبيعة فكرية أو غير فكرية وثمة ملاحظة أخيرة عن الورقة ربما لا ترقى الى مستوى النقد وهي ان هويدي وهو متحمس لابراز اهمية الشورى ونحن نتفق معه بشأن المكانة الرفيعة التي تحتلها الشورى عند المسلمين عموما بوصفها مبدأ من مبادئ الاسلام ذهب - ربما من دون قصد - الى حد اجحاب الديمقراطية بعض الشيء فوصفها احيانا بأنها مجرد آلية واحيانا اخرى بأنها مجرد صوت انتخابي... والحقيقة ان الديمقراطية وسيلة وهدف رئيسي في الوقت ذاته وهي منهج سياسي ونظام للحكم محكوم بمنظومة من القيم والاخلاقيات وان العملية الانتخابية جزء من الديمقراطية وليست كل الديمقراطية، فضلا عن ان هناك وسائل اخرى في النظم الديمقراطية تسمح من خلالها للمواطن بالتعبير عن ارائـــه في قضـــايا ومصــــالح وطنه

العدد 279 - الأربعاء 11 يونيو 2003م الموافق 10 ربيع الثاني 1424هـ