بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، الأخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، تحية كبرى لك يا عبدالناصر في ذكرى ثورتك، تحية كبرى لك يا سيدي من أرض البحرين الطيبة.. من شعبها الوفي المتيّم بحبك، من هوائها ومياهها وشواطئها ونخيلها.. من جزرها ومدنها وقراها وأحيائها المشتاقة إليك. تحية كبرى لك ونحن في العام السابع بعد الألفين، تحية لك في زمن.. تآكلت فيه الأنظمة العربية الحاكمة وأصابها السوس بالنخر فتقعّرت وتجوّفت وما زالت قائمة، تحية لك في زمن عربي فظيع ومريع على كافة المستويات، وبالذات على مستوى الحكّام والحكومات. بالأمس يا سيدي كنت تقول: أيها المسلمون، السلام عليكم يوم رفعتم راية الحق والجهاد في سبيل الله، والسلام عليكم يوم تحطّمون قيود الاستعمار وتدكّون حصون الظلم والطغيان، وكنت تردّد أن ما أُخذ بالقوة لا يسترجع بغير القوة..، اليوم يا سيدي لا يجرؤ أحدٌ منهم على الحديث عن الجهاد أو المقاومة، ولا حتى مجرد الهمس بهما في خلواتهم السرية، بل أصبح الجهاد ارهاباً والمقاومة شراً وتطرفاً، ومعاهدات السلام الاستسلامية واجبا. بالأمس كان ضيوفك قادة أحرار عظام أمثال " نهرو" و "تيتو"  و "نكروما " و "سكارنو" و " بن بيلا"، اليوم ضيوفهم رؤوس الأفاعي " بوش " و " رايس" و "بلير" و "شارون " و "أولمرت". بالأمس عندما هَدَّد الاتحاد السوفيتي بالتدخل في شئون العراق، تصديت له بنفس قوة تصديك للأمريكان في لبنان، وعندما حاول البريطانيون العودة إلى الكويت بحجة الدفاع عن أراضيها من العراق، أرسلت الجيش المصري وأجهضت المؤامرة الاستعمارية..،اليوم يا سيدي القوات الأمريكية والبريطانية تسرح وتمرح في  مختلف الأراضي والأجواء والمياه العربية، وفوق ذلك يتسابقون على التواطئ مع الأمريكان والصهاينة في تدمير العراق وتقسيمه، ويحيكون معهم المؤامرات ضد لبنان والسودان ودمشق قلب العروبة النابض كما سميتها. بالأمس كنت تحلم بقيام الوحدة العربية وناضلت من أجلها نضال المخلصين الشرفاء حتى أقمت أول وحدة بين قطرين عربيين في تاريخنا المعاصر..،اليوم يا سيدي الوحدة بالنسبة لهم عدوٌ شرسٌ يهدّد كياناتهم المتصدّعة، والعمل الوحدوي مرفوض إلا فيما يصون عروشَهم ويزيدهم تمكيناً وتثبيتاًً. بالأمس كنت تنادي بأن أرض العرب للعرب وثروات العرب للعرب، وتدخل المعارك تلو المعارك من أجل طرد المستعمر، اليوم يا سيدي..بحجة الحفاظ على أمن الوطن.. يتوسّلون الاستعمار ذاته لاحتلال أراضيهم ويدفعون قَدَراً وافراً من ثروات شعوبهم ثمناً للمستعمر. بالأمس يا سيدي كنت تتحرك مع الجماهير، تنمي فيهم الوعي بقضاياهم الوطنية والقومية، وتبرز مرتكزات وأهداف الأمة وتصوغ الوسائل والسياسات، وتحدّد لهم أعوان الأمة من أعدائها وتجعلهم يدركون حجم المخاطر المحدقة بهم..، اليوم يا سيدي لا يتحدثون إلى الجماهير إلا من أبراجهم العاجية، محاولين إقصاءها وإلهاءها عبر نشر الثقافة الرخيصة والفنون الوضيعة وتجارة السموم والرقيق الأبيض. بالأمس كنت تفخر بأنك من عائلة فقيرة،..عشت فقيراً وعاهدت شعبك أن تستمر حتى تموت فقيراً، وكنت عند عهدك ووعدك لا تملك إلا بضع جنيهات في خزانة قديمة، اليوم يا سيدي سيتأثرون هم وأبناؤهم وأعوانهم بكل مقدرات أوطانهم، ولا يتركون لشعوبهم إلا الفُتات.. الفُتات فقط. بالأمس يا سيدي رغم كل الانجازات كنت ترفض أن تضع صورتك حتى في بيتك..اليوم يا سيدي برغم كل الإخفاقات والهزائم صورهم الممسوخة تحاصرنا من كل ناحية وكل جانب. بالأمس عندما طالتك أيادي الغدر والخيانة في عدوان 1967، أعلنت مسؤوليتك الكاملة عما حدث، اليوم يا سيدي لو دُمِّر الوطن بأكمله وأُبيدَ الشعب حتى آخره، لما تحمّل أحدٌ مسؤوليته. بالأمس عندما اتخذت قرار التنحية بُعَيد النكسة، خرجت كل الجماهير العربية في صوت واحد، لتُعيدُكَ إلى موقعك الطبيعي.. موقع القيادة والريادة،..اليوم لو تنازل أحدٌ منهم عن عرشه- وهي من علامات الساعة- لما خرج فردٌ واحد يطالب بعودته. بالأمس عندما دارت المعارك الطاحنة بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، وقفت وقفة الزعماء الأبطال..فلم تهدأ ولم تستكن حتى أوقفت نزيف الدم العربي في أيام معدودات..، اليوم توالت على الأمة، الحروب والنكبات والأزمات والفتن والمؤامرات والصراعات الداخلية والتهديدات والضغوط الامبريالية المستمرة، وأُزهِقت الملايين من الأرواح العربية واُستنزِفت آلاف المليارات من الأموال على مدى أكثر من ثلاثة عقود متتالية، ورغم ذلك يا سيدي لم يتحرك أحدٌ منهم، بل كانوا جميعاً متفرجين على ما يجري.. ومستمتعين بما يجري. بالأمس عندما انتقلت روحك الطاهرة النقية إلى بارئِها.. بكتك الملايين عرباً وغير عرب، وخرجت الجماهير إلى الشوارع من أدنى الأرض العربية حتى أقصاها.. حزناً على رحيلك في مشهد لا يعرف التاريخ له مثيلاً، اليوم يا سيدي لو رحل أحدهم – ولقد رحل الكثير- لما ذرفت دمعةٌ واحدةٌ صادقة، ولما خرج سوى رجال المخابرات وأولئك المسربلين بالبدل الرسمية والعسكرية. تحية كبرى لك أيها الغائب الحاضر في زمن غدا فيه الحاضرون ـ كل الحاضرين ـ غيابا ، تحية كبرى لك يا عبدالناصر في ذكرى ثورتك، فما زلنا يا سيدي نستنشق عَبِقُك العطر، وما زلنا يا سيدي نتوق لعصرك الزهر .. عصر الحرية والكرامة العربية. رحمك الله يا سيدي رحمة واسعة وأسكنك اللهم فسيح جناته مع الشهداء والصديقين، وكم هي الأمة بحاجة إليك في هذا الزمن الصعب الذي ضاقت فيه الأرض علينا بما رحبت. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،                                                                                                                            حمد العثمان