في الثاني والعشرين من فبراير هذا العام تمر الذكرى الخمسين على إعلان الوحدة المصرية ـ السورية (22 فبراير 1958) وهي أول وحدة عربية من نوعها في تاريخنا المعاصر تحققت إبان حكم الزعيم جمال عبد الناصر للقطر المصري والزعيم شكري القوتلي للقطر السوري، ومنذ ذلك اليوم يحتفل الوحدويون العرب بذكرى الوحدة ليس بغرض اجترار الماضي والبكاء على الأطلال وإنما لتذكير الأجيال العربية الحاضرة شعوباً وحكومات بما انتهجه أسلافهم من تأكيد على أهمية التوحيد القومي للأمة.. رافضون بذلك واقع التجزئة المرير والمفروض عليهم من قبل قوى الاستعمار وأعوانه في المنطقة وساعون إلى الخروج منه و أنظارهم متجهة صوب الوحدة الشاملة.
والحقيقة أننا حينما نتحدّث عن الوحدة العربية فإننا لا نتحدّث ـ كما يزعم بعض الإسلاميين سامحهم الله ـ عن فكرة مستوردة من الغرب المسيحي لتفكيك روابط المسلمين ودق الأسافين في طريق تضامنهم، ذلك أنها ليست فكرة من صنع الشيطان ترمي إلى المساس بدين الإسلام وإفشاء الظلم والفساد بين المسلمين لا قدر الله، وإنما غايتها توحيد شمل الأمة العربية.. وهي " أمة الإسلام " كما ذهب إلى ذلك المفكر الكبير الدكتور عصمت سيف الدولة، بحكم أن الإسلام أوجدها كأمة ولم تكن موجودة قبله أو بعبارة أخرى أنها أتمّت تكوينها القومي في كنف الإسلام ، وقبل هذا وذاك فهي الأمة التي كلّفها وشرفها العليُّ القدير بحمل رسالة الإسلام إلى كل بقاع الأرض، ومنها بُعِثَ النبي العربي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وبلغتها أُنزل القرآن الكريم الذي حفظ وسيحفظ لغتها إلى يوم الدين، وبلغتها أيضاً يتخاطب الملائكة ويتخاطب أهل الجنة، وقد كانت الأمة العربية لدهر طويل من الزمن ممسكة بزمام قيادة العالم الإسلامي أجمع ، وإذا كان الإسلام قد وحّد العرب جميعهم منذ بداية عهده، فكيف بنا اليوم القبول تحت راية الإسلام أن نَحْيا متفرقين؟
وحينما نتحدّث عن الوحدة العربية فإننا لا نتحدث عن توحيد شعوب متفرّقة أو أمم وليدة أو دويلات دخيلة على التاريخ أو كيانات مصطنعة أو أوطان مبعثرة ذات لغات وثقافات متعدّدة وجذور مـقطّعة، وإنما عن شعب عريق يقطن لآلاف السنين المنطقة الممتدة من الخليج العربي شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، وفضلاً عن الموقع الجغرافي الواحد فهو شعب يجمعه دين واحد ولغة وثقافة واحدة وتاريخ واحد ومصير مشترك.
هذه الأمة العربية كانت في الأصل أمة موحّدة وقويّة واستمرت هكذا لقرون طوال إلى أن جاءها المستعمرون الغزاة فقطّعوها على موائدهم البائسة إلى قطع وأجزاء صغيرة وهزيلة واصطنعوا بينها الحدود والسدود، واستنزفوا خيراتها وثرواتها وما يزالون وسلبوا إرادة حكّامها وما يزالون، وأقاموا عليها حارساً هو الكيان الصهيوني، هؤلاء المحتلون المعتدون حريصون على أن تبقى هذه الأمة مقسّمة ومجزّأة أبد الدهر حتى تكون خاضعة وخانعة، أما الشرفاء والمخلصون من أبناء هذه الأمة فإنهم على استعداد لبذل الغالي والنفيس من أجل أعادة وحدتها وكرامتها.
وحينما نتحدث عن الوحدة العربية فإننا لا نتحدث عن هدف طوباوي مثالي كما حاول البعض تصويره، وإنما عن هدف أصيل من أهداف الأمة العربية، بدأ معها وسيظل باقياً ببقائها، ذلك أن الأهداف السامية لا تنتفي ولا تتبدّد، ربما تتعثّر حيناً وربما تنتكس حيناً آخر ولكنها تظل ثابتة وراسخة دوماً وأبداً، ولا يمكن الاستشهاد هنا بالأوضاع العربية المزرية التي ترسّخ واقع التجزئة والتقسيم، ذلك أنه على الجانب الآخر ثمة مشاريع وحدوية ناجحة مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة واليمن، وهو توحيد جزئي ولكنه خطوة هامة على طريق الوحدة وكما يقول عبد الناصر " إن أي وحدة جزئية تمثل إرادة شعبين أو أكثر من شعوب الأمة العربية هي خطوة وحدوية متقدمة، تقرب من يوم الوحدة الشاملة ...، وإن تحقيق الجزء مساهمة في تقريب يوم الكل "، إضافة إلى بعض التجارب التي لم تدم طويلاً كالوحدة المصرية ـ السورية التي نحن بصدد ذكراها، فمثل هذه التجربة الرائدة ما كان لها أن تفشل لولا أن أعداء الوحدة ( قوى الاستعمار و أعوانه في المنطقة ) كانت لهم الأيادي الطولى في إفشالها، كذلك بعض المحاولات الوحدوية الأخرى التي لم يكتب لها النجاح، و رغم هذا فعندما تلتقي الإرادة الشعبية بالإرادة السياسية لن يستطيع هؤلاء أو أولئك أن يقفوا في وجه تحقيق الوحدة العربية.
يقول أصحاب الفكر ورجال السياسة أن عصر الدول والكيانات الصغرى قد ولّى إلى غير رجعة، وإن عصرنا هذا هو عصر الدول العظمى والتكتلات العملاقة، وإن على الدول الأقزام الاحتماء إن عاجلاً أم آجلاً بعباءة التكتلات الكبرى، ولا موطئ قدم في المستقبل لدول ضعيفة، وإن الدول العربية بحالتها الراهنة حتى وهي في أقصى طاقاتها وإمكاناتها القطرية لن تستطيع مواجهة تحديات الحاضر وضرورات المستقبل وهي منفردة وأنه لا سبيل إلى ذلك إلا بالتوحيد القومي، لهذا فإن على الدول العربية أن تختار بين الاندماج مع بعضها أو الانخراط في مشروعات استعمارية تتحطّم على مطرقتها هُويتها العربية الإسلامية وتذوب في أحماضها شخصيتها وذاتيتها.
أما المواطنة العالمية كما ينادي بها بعض العلمانيين ودعاة العولمة على استحالتها عملياً فإنها لا تقيم وزناً لثقافات الأمم المتعددة وتلغي الخصوصية القومية. إن الضرورة العملية هي التي دعت شعوباً كالشعوب الأوروبية التي تنتمي إلى أمم متفرقة، بحكم اختلاف اللسان والثقافة وأمور أخرى عديدة، تقيم فيما بينها إتحاداً تجاوز كل الحواجز الذاتية والموضوعية وجعلها تلتف حول بعضها حفاظاً على أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية، ولا شك أن الحكومات الأوروبية وقادة الرأي هناك أكثر وعياً من غيرهم بمقتضيات وضرورات مستقبل أوروبا، فهم لم يَقدِمُوا على إنشاء الإتحاد الأوروبي بصورة انفعالية سريعة أو لأغراض آنية ضيقة، وإنما بحثوا ودرسوا ورصدوا وسجّلوا وجمعوا ووصلوا إلى هذه القناعة عبر تراكمات عميقة وهادئة ثم قرروا ونفّذوا ، فأين نحن من أولئك؟

نريد أن نقول باختصار أن الوحدة الشاملة بين الأقطار العربية هي السبيل نحو تقدم الأمة ونهضتها، وهي السبيل إلى استقرار وأمن المنطقة العربية ودفع خطر العدوان الخارجي أياً كان مصدره، ولا يمكن تحقيق الأمن الوطني لكل قطر عربي بمعزل عن الأمن القومي مثلما لا يمكن فصل الشأن الوطني عن الشأن القومي، والوحدة هي السبيل أيضاً لمعالجة الكثير من المشكلات والمعضلات الأساسية في الوطن العربي وفي مقدمتها الفقر والمرض والجهل والبطالة، إضافة إلى أن الوحدة ستعمل على الحد من هذا الاستنزاف الهائل في الثروات الوطنية والقومية واستغلالها الاستغلال الأمثل وتوزيعها بصورة عادلة بين الشعوب العربية، وهي الطريق كذلك إلى تحقيق المساواة بين جميع المواطنين العرب على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن دعم وتعزيز الديمقراطية والمشاركة الشعبية.
إن الوحدة هي الطريق نحو كسب ثقة واحترام دول وشعوب العالم للأمة العربية، وهي الطريق نحو التعامل بالمثل من قبل الدول الكبرى، لا من موقع التبعية كما يجري الآن وإنما من موقع الندية واحترام الآخر، وحينها يمكن أن تسترجع كرامة الإنسان العربي وتحترم حقوقه التي أهدرت ردحاً من الزمان، وحينها يمكن أن تتحرّر فلسطين والجولان ومزارع شبعا وجميع الأراضي العربية المحتلة من العدو الصهيوني ومن كافة المحتلين الغاصبين للأرض العربية.
إن الانتماء القومي والتوحيد القومي هما الحل في مواجهة دعاة التغريب ودعاة الانهزام والاستسلام، وهما الدرع الواقي في مواجهة دعاة الإقليمية ودعاة القطرية والتجزئة، والانتماء القومي هو المخرج من مأزق الطائفية المقيتة التي نتجرع كأسها المر في كل لحظة وفي كل ساعة، إن البديل للانتماء القومي هو المزيد من التشتت والتفرقة الطائفية والقبلية والاثنية التي تعيشها مجتمعاتنا العربية.
إن الدعوة للتوحيد القومي ليست ترفاً سياسياً كما يحلو للبعض وصفها، ولا يصح أن تطلق لأغراض دعائية أو لمجرد دغدغة مشاعر الناس، بل أن تبنّي الوحدة العربية ( سواء الاندماجية أو الفيدرالية ) وإن لم يكن عن قناعة مبدئية راسخة فعلى الأقل كضرورة عملية لمواجهة تحديات المستقبل.
وإنّا لنعلم علم اليقين إن طريق الوحدة العربية طويل وشاق إلى درجة كبيرة، وأنها لن تتحقق في عام أو عامين أو حتى عشرة أعوام، لأنها تستلزم توافق الإرادة الشعبية والسياسية، والتدرّج أمر على قدر رفيع من الأهمية في هذه المسائل لأنه كما يقال من العبث الخاسر القفز فوق الواقع، وأن درب الألف ميل يبدأ بخطوة، المهم أن تكون خطوة جادة ومدروسة، وأن قناعاتنا تتأكّد مرة تلو مرة أنه ما لم تتحقق الوحدة القومية فلا أمل لحرية واستقلال الأمة العربية وتقدمها. حمد العثمان فبراير2008
 

 في الثاني والعشرين من فبراير هذا العام تمر الذكرى الخمسين على إعلان الوحدة المصرية ـ السورية (22 فبراير 1958) وهي أول وحدة عربية من نوعها في تاريخنا المعاصر تحققت إبان حكم الزعيم جمال عبد الناصر للقطر المصري والزعيم شكري القوتلي للقطر السوري، ومنذ ذلك اليوم يحتفل الوحدويون العرب بذكرى الوحدة ليس بغرض اجترار الماضي والبكاء على الأطلال وإنما لتذكير الأجيال العربية الحاضرة شعوباً وحكومات بما انتهجه أسلافهم من تأكيد على أهمية التوحيد القومي  للأمة.. رافضون بذلك واقع التجزئة المرير والمفروض عليهم من قبل قوى الاستعمار وأعوانه في المنطقة وساعون إلى الخروج منه و أنظارهم متجهة صوب الوحدة الشاملة. والحقيقة أننا حينما نتحدّث عن الوحدة العربية فإننا لا نتحدّث ـ كما يزعم بعض الإسلاميين سامحهم الله ـ عن فكرة مستوردة من الغرب المسيحي لتفكيك روابط المسلمين ودق الأسافين في طريق تضامنهم، ذلك أنها ليست فكرة من صنع الشيطان ترمي إلى المساس بدين الإسلام وإفشاء الظلم والفساد بين المسلمين لا قدر الله، وإنما غايتها توحيد شمل الأمة العربية.. وهي " أمة الإسلام " كما ذهب إلى ذلك المفكر الكبير الدكتور عصمت سيف الدولة، بحكم أن الإسلام أوجدها كأمة ولم تكن موجودة قبله أو بعبارة أخرى أنها  أتمّت تكوينها القومي في كنف الإسلام ،  وقبل هذا وذاك فهي الأمة التي كلّفها وشرفها العليُّ القدير بحمل رسالة الإسلام إلى كل بقاع الأرض، ومنها بُعِثَ النبي العربي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وبلغتها أُنزل القرآن الكريم الذي حفظ وسيحفظ لغتها إلى يوم الدين، وبلغتها أيضاً يتخاطب الملائكة ويتخاطب أهل الجنة، وقد كانت الأمة العربية لدهر طويل من الزمن ممسكة بزمام قيادة العالم  الإسلامي أجمع ، وإذا كان الإسلام قد وحّد العرب جميعهم منذ بداية عهده، فكيف بنا اليوم القبول تحت راية الإسلام أن نَحْيا متفرقين؟ وحينما نتحدّث عن الوحدة العربية فإننا لا نتحدث عن توحيد شعوب متفرّقة أو أمم وليدة أو دويلات دخيلة على التاريخ أو كيانات مصطنعة أو أوطان مبعثرة ذات لغات وثقافات متعدّدة وجذور مـقطّعة، وإنما عن شعب عريق يقطن لآلاف السنين المنطقة الممتدة من الخليج العربي شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، وفضلاً عن الموقع الجغرافي الواحد فهو شعب يجمعه دين واحد ولغة وثقافة واحدة وتاريخ واحد ومصير مشترك.                                                                                    هذه الأمة العربية كانت في الأصل أمة موحّدة وقويّة واستمرت هكذا لقرون طوال إلى أن جاءها المستعمرون الغزاة فقطّعوها على موائدهم البائسة إلى قطع وأجزاء صغيرة وهزيلة واصطنعوا بينها الحدود والسدود، واستنزفوا خيراتها وثرواتها وما يزالون وسلبوا إرادة حكّامها وما يزالون، وأقاموا عليها حارساً هو الكيان الصهيوني، هؤلاء المحتلون المعتدون حريصون على أن تبقى هذه الأمة مقسّمة ومجزّأة أبد الدهر حتى تكون خاضعة وخانعة، أما الشرفاء والمخلصون من أبناء هذه الأمة فإنهم على استعداد لبذل الغالي والنفيس من أجل أعادة وحدتها وكرامتها.                                                                                                                                        وحينما نتحدث عن الوحدة العربية فإننا لا نتحدث عن هدف طوباوي مثالي كما حاول البعض تصويره، وإنما عن هدف أصيل من أهداف الأمة العربية، بدأ معها وسيظل باقياً ببقائها، ذلك أن الأهداف السامية لا تنتفي ولا تتبدّد، ربما تتعثّر حيناً وربما تنتكس حيناً آخر ولكنها تظل ثابتة وراسخة دوماً وأبداً، ولا يمكن الاستشهاد هنا بالأوضاع العربية المزرية التي ترسّخ  واقع التجزئة والتقسيم، ذلك أنه على الجانب الآخر ثمة مشاريع وحدوية ناجحة مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة واليمن، وهو توحيد جزئي ولكنه خطوة هامة على طريق الوحدة  وكما يقول عبد الناصر " إن أي وحدة جزئية تمثل إرادة شعبين أو أكثر من شعوب الأمة العربية هي خطوة وحدوية متقدمة، تقرب من يوم الوحدة الشاملة ...، وإن تحقيق الجزء مساهمة في تقريب يوم الكل "،  إضافة إلى بعض التجارب التي لم تدم طويلاً كالوحدة المصرية ـ السورية التي نحن بصدد ذكراها، فمثل هذه التجربة الرائدة ما كان لها أن تفشل لولا أن أعداء الوحدة ( قوى الاستعمار و أعوانه في المنطقة ) كانت لهم الأيادي الطولى في إفشالها، كذلك بعض المحاولات الوحدوية الأخرى التي لم يكتب لها النجاح، و رغم هذا فعندما تلتقي الإرادة الشعبية بالإرادة السياسية لن يستطيع هؤلاء أو أولئك أن يقفوا في وجه تحقيق الوحدة العربية. يقول أصحاب الفكر ورجال السياسة أن عصر الدول والكيانات الصغرى قد ولّى إلى غير رجعة، وإن عصرنا هذا هو عصر الدول العظمى والتكتلات العملاقة، وإن على الدول الأقزام الاحتماء إن عاجلاً أم آجلاً بعباءة التكتلات الكبرى، ولا موطئ  قدم في المستقبل لدول ضعيفة، وإن الدول العربية بحالتها الراهنة حتى وهي في أقصى طاقاتها وإمكاناتها القطرية لن تستطيع مواجهة تحديات الحاضر وضرورات المستقبل وهي منفردة وأنه لا سبيل إلى ذلك إلا بالتوحيد القومي، لهذا فإن على الدول العربية أن تختار بين الاندماج مع بعضها أو الانخراط في مشروعات استعمارية تتحطّم على مطرقتها هُويتها العربية الإسلامية وتذوب في أحماضها شخصيتها وذاتيتها.  أما المواطنة العالمية كما ينادي بها بعض العلمانيين ودعاة العولمة على استحالتها عملياً فإنها لا تقيم وزناً لثقافات الأمم المتعددة وتلغي الخصوصية القومية.   إن الضرورة العملية هي التي دعت شعوباً كالشعوب الأوروبية التي تنتمي إلى أمم متفرقة، بحكم اختلاف اللسان والثقافة وأمور أخرى عديدة، تقيم فيما بينها إتحاداً تجاوز كل الحواجز الذاتية والموضوعية وجعلها تلتف حول بعضها حفاظاً على أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية، ولا شك أن الحكومات الأوروبية وقادة الرأي هناك أكثر وعياً من غيرهم بمقتضيات وضرورات مستقبل أوروبا، فهم لم يَقدِمُوا على إنشاء الإتحاد الأوروبي بصورة انفعالية سريعة أو لأغراض آنية ضيقة، وإنما بحثوا ودرسوا ورصدوا وسجّلوا وجمعوا ووصلوا إلى هذه القناعة عبر تراكمات عميقة وهادئة ثم قرروا ونفّذوا ، فأين نحن من أولئك؟ نريد أن نقول باختصار أن الوحدة الشاملة بين الأقطار العربية هي السبيل نحو تقدم الأمة ونهضتها، وهي السبيل إلى استقرار وأمن المنطقة العربية ودفع خطر العدوان الخارجي أياً كان مصدره، ولا يمكن تحقيق الأمن الوطني لكل قطر عربي بمعزل عن الأمن القومي مثلما لا يمكن فصل الشأن الوطني عن الشأن القومي، والوحدة هي السبيل أيضاً لمعالجة الكثير من المشكلات والمعضلات الأساسية في الوطن العربي وفي مقدمتها الفقر والمرض والجهل والبطالة، إضافة إلى أن الوحدة  ستعمل على الحد من هذا الاستنزاف الهائل في الثروات الوطنية والقومية واستغلالها الاستغلال الأمثل وتوزيعها بصورة عادلة بين الشعوب العربية، وهي الطريق كذلك إلى تحقيق المساواة بين جميع المواطنين العرب على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن دعم وتعزيز الديمقراطية والمشاركة الشعبية. إن الوحدة هي الطريق نحو كسب ثقة واحترام دول وشعوب العالم للأمة العربية، وهي الطريق نحو التعامل بالمثل من قبل الدول الكبرى، لا من موقع التبعية كما يجري الآن وإنما من موقع الندية واحترام الآخر، وحينها يمكن أن تسترجع كرامة الإنسان العربي وتحترم حقوقه التي أهدرت ردحاً من الزمان، وحينها يمكن أن تتحرّر فلسطين والجولان ومزارع شبعا وجميع الأراضي العربية المحتلة من العدو الصهيوني ومن كافة المحتلين الغاصبين للأرض العربية. إن الانتماء القومي والتوحيد القومي هما الحل في مواجهة دعاة التغريب ودعاة الانهزام والاستسلام، وهما الدرع الواقي في مواجهة دعاة الإقليمية ودعاة القطرية والتجزئة، والانتماء القومي هو المخرج من مأزق الطائفية المقيتة التي نتجرع كأسها المر في كل لحظة وفي كل ساعة، إن البديل للانتماء القومي هو المزيد من التشتت والتفرقة الطائفية والقبلية والاثنية التي تعيشها مجتمعاتنا العربية. إن الدعوة للتوحيد القومي ليست ترفاً سياسياً كما يحلو للبعض وصفها، ولا يصح أن تطلق لأغراض دعائية أو لمجرد دغدغة مشاعر الناس، بل أن تبنّي الوحدة العربية  ( سواء الاندماجية أو الفيدرالية ) وإن لم يكن عن قناعة مبدئية راسخة فعلى الأقل كضرورة عملية لمواجهة تحديات المستقبل. وإنّا لنعلم علم اليقين إن طريق الوحدة العربية طويل وشاق إلى درجة كبيرة، وأنها لن تتحقق في عام أو عامين أو حتى عشرة أعوام، لأنها تستلزم توافق الإرادة الشعبية والسياسية، والتدرّج أمر على قدر رفيع من الأهمية في هذه المسائل لأنه كما يقال من العبث الخاسر القفز فوق الواقع، وأن درب الألف ميل يبدأ بخطوة، المهم أن تكون خطوة جادة ومدروسة، وأن قناعاتنا تتأكّد مرة تلو مرة أنه ما لم تتحقق الوحدة القومية فلا أمل لحرية واستقلال الأمة العربية وتقدمها.                                                                                                                                                                                  حمد العثمان                                                                                                                                                               فبراير2008